www.bible111.blogspot.com الموقع الأنجليزى المقابل
لم تكن سابقة حديثة العهد بان يهاجم البعض كاتب التوراة، فى محاولة لأنكار فضل نبوته، فالكتاب يخبرنا عن" مريم" أخت" موسى ابنة عمرام أو عمران" قبل ميلاد المسح بأكثر من الف وخمسمائة عام مقابل "موسى" وهى" مريم"النبية، صاحبة نشيد الخروج الوارد ذكره فى سفر الخروج أصحاح 15 من عدد 1 الى العدد20 ،لكنها عندما سمحت لنفسها بأن تتدخل بالتعديل والتصويب، لما يختاره موسى كنبى موحى له، وهى تتحول برصاء كالثلج فى سفر العدد أصحاح 12 ولم تكن مريم وحدها التى اجترأت على السماح لنفسها بالدخول الى هذه المنطقة المحرمة ، بل تبعها فيما بعد قورح وداثان وأبيرام ، الذين أنكروا على" موسى" فضل نبوته فى سفر العدد أصحاح 16 ، واذا بعقاب الله ينزل عليهم فتفتح الأرض فاها وتبتلعهم، والظاهر أن" قورح" هذا كان من الأثرياء ذوى الأموال، وينطق اسمه فى العبرانية هكذا ( قورا-ح) ويبدو أن ذلك هو الأصل" لأسطورة قارون" التى تناقلها اليهود الى كل مكان ذهبوا اليه،ومع ذلك لم يرتدع الأنسان، وكأن التاريخ يعود الى الوراء بظهور شتى ألوان النقد لكاتب التوراة فى مختلف العصور . ومن بين مؤرخى الفكر المحترمين نجد عالمآ يدعى " يونج Young" الذى كتب مقالة يرجع فيها تاريخ النقد لعام 1753 حيث ظهرت أفكار " أستراكJen Astruc"، كما كان أحد العلماء الأخرون واسمه "باينD.F.Payne" يرى أن بداية النقد كانت على يد "ماسيوسMasius عام 1573 فى تاريخ أحدث مما أقترحه "يونج"، وأذا كان للعالم القدير اسبابه الوجيهة لجعل هذا التاريخ يعود لزمن أكثر حداثة مما أقترحه سابقيه وهو العالم القدير " ف.ف.بروسF.F.Bruce " الذى يرجع البداية لظهور "ويتر H.B.Witter" عام 1711. والواقع أن كل واحد من هؤلاء كان يمثل بداية على نحو خاص مميز، على نحو ما سيتضح لنا عند تفصيل أقوال النقاد.
كما اننا نرى أن البداية تعود لزمن أكثر قدما من ذلك، فها نحن نذكر كيف فعلت مريم وقورح وداثان وأبيرام فى زمن موسى نفسه، وأذا أجلنا الحديث لتاريخ النقد لكاتب التوراة قبل مجىء المسيح لوقت لاحق، فاننا نجد أن النقد فى زمن ما بعد ميلاد المسيح كانت جذوره تعود لأقوال النقاد قبل عصر المسيح، تلك الأقوال المتواتراة التى تناقلها بعض الآباء الأجلاء للكنيسة أمثال "أيرينايوس Irenaeus" و"ترتليانوس Tertullian"و "أكليمندوس السكندرى Clement of Alex" الذين اعتمدوا فى رواياتهم على التقليد القديم المستمد من بعض الكتابات الأبوكريفية التى تنتمى لفترة ما بين العهدين مثل كتاب " أزدراس الثانى" الجزء 14 من 21 الى22 وهى رواية عجيبة، لم تجد ما يدعمها سواء من التاريخ أو النص المعتمد للعهد القديم، أو حتى المنطق السليم تلك الرواية التى أدعت بأن " نبوخذ نصر" ملك بابل (605 - 562ق م ) قد أخذ التوراة وأحرقها، وأن "عزرا الكاتب " (458 ق م ) قد أعاد كتابتها، بعدما رأى ذلك، فيما بعد، فالذى يذكر هذه الأسطورة بدون ذكر التواريخ التى ذكرناها، كما فعل" ازدراس" أو من أطلق على نفسه هذا الأسم يظن ان الواقعة حقيقية لمجرد تصور وجود عزرا فى هذه الأثناء، وهو يحمل فى ذاكرته أصل النص، مما دفعه لتسطيره أو أعادة كتابته من جديد ، لكن الأمر ليس كذلك ولعل كاتب "أزدراس الثانى" نفسه كان يحمل هذا الوهم لعدم معرفته الحقيقية لسجلات التاريخ ، ومردود عليه بأن اليهود الذين ذهبوا الى السبى ومنهم "دانيال " ورفاقه لم يكونوا هم كل اليهود الذين لديهم توراة، يجدها معهم نبوخذ نصر" فيأخذها ويحرقها، بل كان هناك يهود آخرون لم يذهبوا الى السبى ومنهم أنبياء مثل "أرميا" النبى(626-587 ق م) الذى كتب مراثيه الشهيرة، كشاهد عيان لأحداث السبى داخل الأراضى المقدسة، وظل فيها . ولا يعقل أن دانيال وحده هو الذى كان يحمل النسخة الوحيدة للتوراة، حيث تعددت النسخ بعد أصلاح " يوشيا الملك" قبل السبى بزمن طويل ولم يكن هؤلاء هم الاباء الأجلاء الوحيدون الذين انخدعوا بهذه الأفكار وأنما تبعهم " القديس يوحنا الدمشقىJohn of Damascus " فيما يقول "ماين J.P,Migne, PG,LXCIV,688-689"
وفى بعض عظات "اكليمندس الأسكندرى The Clement Homilitics" نجد تاثره بفكرة عدم الثقة فى جذور التوراة تاريخيا فى حديثه عن يد الشيطان التى تدخلت لاظهار "آدم " و"نوح " والآباء بصورة سيئة فى التوراة، وها هو " أنستاسيوس السينائىAnastasius The Sinaite" بطريرك الكنيسة الأنطاكية فى القرن السابع الميلادى يقرر بأن "موسى " لم يكن هو كاتب التوراة لأن فيها خيالآ حسب ما أورده "ماينJ.P. Migne , PG, LXXXIX,284 ,285 " أحد مؤرخى الفكر الكنسى عنه، والجدير بالذكر أن هؤلاء وغيرهم من الأسماء اللامعة فى سماءالتعليم الكنسى ، لم يكونوا من الانبياء مع أن لهم الأجلال والأحترام لجهودهم الأخرى فى مجال توصيل الحق الكتابى لنا، لكنهم لم يكونوا مبتدعين لأفكار هدامة لهذا البنيان المترابط المؤكد المسلم لنا ، وانما كانوا يرددون أحيانآ بعض الأقوال المتواترة، بقصد أعلاء فكر العهد الجديد على سابقه، فى حسن نية، ثبت لنا بعد العودة لمصادر معلوماتهم التى رددوها، أن الصواب جانبهم ، فابتعدوا عن تحرى الحقيقة المؤكدة، ويقولون " لكل جواد كبوة ولكل قديس هفوة ". فلم يهتموا بالتحرى والتأكد من هذه الأمورعلى النحو الذى سنراه لاحقآ.
-
-
كما افترض " الرابى " أو "المعلم الكاتب" أن هناك نصوصآ أخرى مدسوسة مثل " تكوين 12: 6 ،22: 14 ، تث 1 : 1 ،3 : 11 ... ألخ" ، أستنادآ على "فكرة فصل الثنائيات" و "فكرة فصل الثنائيات " هذه ، كان لها شأنها فى فكر النقاد فيما بعد ومفادها أن هناك حوادث مذكورة مرتين أو أكثر أثناء سرد الحديث فى التوراة مما يؤيد وجهة نظر النقاد أن هناك مصادر مختلفة جمع منها المحررون مواد التوراة رغم أهمالهم ( الذى لم يتمكن النقاد من تعليله ) لهذا الفكر التكرار الملحوظ هذا أن أفترضنا حدوث مثل هذا التكرار . كما أستند على هذه الفكرة فيما بعد " ٍسبينوزاSpinoza" حوالى عام 1670 م ، مقارنآ تلك الثنائيات بعضها ببعض مؤيدآ بذلك فكرة أن جامعها هو "عزرا " الكاتب وهذ الرأى مع سائر آراء النقاد التالية له سنورد تحليله فى الرد على آراء نقاد العصر الحديث فيما بعد لأن كثير من هذه الآراء تتشابك أو تتفق أو تتعارض مما يدعونا للرد عليها متجمعة معآ.
. وبحلول عصر النهضة الأوربية Renaissance ، بزغ نور ألأصلاح ، فكان أن بدأ المفكرون فى تناول الكتاب المقدس بجرأة وجسارة ومن هنا بدأت الآراء تتعدد فتنوعت مدارس الأصلاح ، وكان أحد المصلحون واسمه " كارلستادتCarlstadt" 1480 - 1541 وهو الذى قال بأن "موسى" لم يقم بكتابة التوراة بدليل تنوع الحديث فى سغر التثنية رغم وحدة الأسلوب، فأذا سلمنا بأن الكاتب لسفر التثنية هو كاتب واحد ، لأن سياق الأسلوب واحد من المقدمة حتى الخاتمة. وأن سلمنا بأن الكاتب الذى فى الخاتمة ليس هو "موسى" من الناحية المنطقية ( وهذا الرأى لا يقيم وزنآ لكون " موسى " كنبى ، يمكن أن تحمل كتاباته الجانب النبوى المستقبلى ) ثم استعرت بعد ذلك نيران النقد بشأن كاتب التوراة وأسلوبها ، بظهور طبقة جديدة من النقاد وهم الأدباء ورجال الفكر الكنسى بظهور Andreas Masius" ماسيوس"عام 1573 م وهو محامى بلجيكى ينتمى لطبقة المثقفين الذين انتعشت لديهم المعارف أبان النهضة الأوربية ، وهو كذلك ينتمى لطائفة الروم الكاثوليك وقد دون آرائه فى كتاب له ، صدر عام1574 م وكان اسم الكتاب " تفسير سفر يشوع " وفيه قال بأن "عزرا" أضاف نصوصآ معينة لكتب "موسى" . وقد اتخذ هذه المقولة من بعده بعض النقاد ، وأن كانوا قد اختلفوا بشأن من أضافها أهو "عزرا" أم شخص آخر ، وكان موقف الجزويت الأسبان مماثلآ لموقف " ماسيوس" تجاه الفكرة بشأن أسفار "موسى" وعلى رأس هؤلاء كان هناك عالمان هما"جاك بونفرير Jacques Bonfrere" و"بندكت بيريرا Benedict Pereira" عام 1535 - 1610 م وكان هذان العالمان من أشهر فلاسقة ذلك العصر مما ساعد على دفع عجلة النقد الى الأمام ، فلم تخل أحاديثهما عن التوراة من الأشارة لأن هناك أضافات متأخرة ذات شأن أضيفت الى التوراة . كما سجلا آرائهما تلك فى النشرات الدورية التى كانت توزع آرائهما ، وقد تضمنت تلك الآراء أسسآ أتبعها اللاحقون فى نقد التوراة فكان نتيجة لذلك ظهور "سبينوزا البندكتى Benedict Spinoza" 1632 - 1677 م الذى سار على نفس المنوال فأنكر كتابة " موسى " للتوراة ، كما أنه شكك كذلك فى كتابة " عزرا" لها ، فأفسح بذلك محالآ لأرجاعها لزمن لاحقTractatus Theologico- politicus
وفى عام 1651 أصدر "هوبز Thomas Hobbes" كتابه المسمى " لوياثان Leviathan " منكرآ فيه صلة "موسى " بكتابة الأجزاء المنسوبة له فى التوراة مع أنه وضع أحتمالآ بأرجاع مصدر هذه الكلمات لموسى ، برغم أنكاره لكونه هو أى " موسى " هوالذى قام بتدوينها
ثم جاء " ريتشارد سيمون Richard Simon" وهو كذلك من أتباع الروم الكاثوليك فجمع نتاج سبعة عشر قرنآ لم تخل فيها التوراة من نقد فمهد ذلك الطريق لظهور الأرمينى "جين ليكليرك Jean LeClerc" عام 1685 م ، وهو الذى أيد آراء "ريتشارد" وصقلها ، فقال بأن التوراة استندت على نصوص أخرى منها ما هو بشرى ومنها ما هو ألهى فكاتبها لا بد أن يكون متأخرآ عن عصر " موسى " اذ ربما يرجع تاريخه لعصر سبى بابل أى حوالى عام 722م أو لزمن معاصر لزمن "عزرا" الكاتب
أما بداية أستخدام "المعطيات الداخلية" فى النص بوصفها الأساس الرئيسى للنقد فيرجح الكثيرون بأنها ترجع الى عام 1711 م حيث ظهرت آراء " هانز ويتر Hans Wetter" الذى كان أول من أستخدم " المعطيات الوثائقيةdocumentary hypothesis" فقد لاحظ " ويتر" وجود أصحاحان يتحدثان عن الخليقة بأسلوب متمايز ( من وجهة نظره ) ولا سيما فى أستخدام لفظ الجلالة . ففى سفر التكوين الأصحاح الأول يتحدث عن "الله" بوصفه " الوهيم אלןהימ" بينما فى ألأصحاح التالى له أى الثنى يتحدث عن الله بوصفه "يهوهיהןה"
ومع ذلك تمايزت آراء أمة المسيحيين وكان أغلب الدارسون والعلماء برفضون هذه الآراء ، ولا سيما فى مطلع القرن الثامن عشر . حتى جاء أحد علماء الفيزياء الفرنسيون واسمه "أستراكJean Astruc" عام 1753 م . وهو الذى زلزل الفكر الدينى بكتابه عن سفر التكوين حيث نشر فكرة مؤداها بأن هناك أصلين رئيسيين متخذان من الذاكرة ، أو ذاكرتين لدى " موسى" النبى نفسه بالأضافة لعدد مما لا يستهان به من الوثائق الأخرى ، التى جمع منها "موسى" سفر التكوين . ومع أن "أستراك " لم يلتفت ليد الوحى فى أنشاء التوراة ألا أنه لم ينكر كتابة "موسى " لها ، كما أنه لم يذكر لنا ما هى هذه المصادر ؟ وما أسمائها ؟ ولا أين ذهبت ؟ أو من أين أتت ؟ لقد كانت تمثل بالنسبة له فرض علمى يثبته ، فيما يظن ، بأفتراض أنعكاس الفكر الوارد فيها على سياق الحديث فى التوراة ، أما بخصوص فكرته عما أسماه ب " الذاكرة المتحصلة لدى "موسى " فأن الدليل فى رأيه على وجودها هو أختلاف التسمية لتلقيب الله بين "يهوه" و "ألوهيم" لذلك سمى الذاكرة الأولى بأسم " الذاكرة اليهوية " وأما الذاكرة الثانيةDeux Memoires فأسماها " الذاكرة الألوهية" وبذلك فتح بابآ للون آخر من النقد ، لكن بخصوص باقى الوثائق النى أفترض وجودها والتى أعتمدت عليها التوراة ( من وجهة نظره ) فقد أفترض وجود أثنى عشر وثيقة من هذا النوع ، نسب لكل واحدة منها بعض المقطتفات من التوراة ، ويقول عن هذه الوثائق أنها كانت تحتوى على ما يتعلق بتاريخ الأسلاف وقصة نشوء العالم ، ومع ذلك فقد أشار " استراك" لأهمال الكاتب فى تتبع ذكر بعض الأنساب . وأخيرآ يذكر ل " استراك " أنه انصرف بعد الحديث عن نظريته تلك ، لتفنيد مزاعم الذين أنكروا كتابة "موسى" للتوراة . بما نفهمه بأن نقده كان لسبب عدم تصوره لفكرة الوحى فى حد ذاتها ، أو بمعنى أخر أنه لم يفهم وهو يستبعد حدوث الوحى ، مصدر تلك المعلومات الواردة فى التوراة ، ولذلك كان أقرب تفسير لمصدر هذه المعلومات فى رأيه هو تلك الفروض التى أجتهد فى أقامتها وسنعود له فيما بعد عندما نقوم بتجميع كل آراء النقاد
د.ق. جوزيف المنشاوى
كما اننا نرى أن البداية تعود لزمن أكثر قدما من ذلك، فها نحن نذكر كيف فعلت مريم وقورح وداثان وأبيرام فى زمن موسى نفسه، وأذا أجلنا الحديث لتاريخ النقد لكاتب التوراة قبل مجىء المسيح لوقت لاحق، فاننا نجد أن النقد فى زمن ما بعد ميلاد المسيح كانت جذوره تعود لأقوال النقاد قبل عصر المسيح، تلك الأقوال المتواتراة التى تناقلها بعض الآباء الأجلاء للكنيسة أمثال "أيرينايوس Irenaeus" و"ترتليانوس Tertullian"و "أكليمندوس السكندرى Clement of Alex" الذين اعتمدوا فى رواياتهم على التقليد القديم المستمد من بعض الكتابات الأبوكريفية التى تنتمى لفترة ما بين العهدين مثل كتاب " أزدراس الثانى" الجزء 14 من 21 الى22 وهى رواية عجيبة، لم تجد ما يدعمها سواء من التاريخ أو النص المعتمد للعهد القديم، أو حتى المنطق السليم تلك الرواية التى أدعت بأن " نبوخذ نصر" ملك بابل (605 - 562ق م ) قد أخذ التوراة وأحرقها، وأن "عزرا الكاتب " (458 ق م ) قد أعاد كتابتها، بعدما رأى ذلك، فيما بعد، فالذى يذكر هذه الأسطورة بدون ذكر التواريخ التى ذكرناها، كما فعل" ازدراس" أو من أطلق على نفسه هذا الأسم يظن ان الواقعة حقيقية لمجرد تصور وجود عزرا فى هذه الأثناء، وهو يحمل فى ذاكرته أصل النص، مما دفعه لتسطيره أو أعادة كتابته من جديد ، لكن الأمر ليس كذلك ولعل كاتب "أزدراس الثانى" نفسه كان يحمل هذا الوهم لعدم معرفته الحقيقية لسجلات التاريخ ، ومردود عليه بأن اليهود الذين ذهبوا الى السبى ومنهم "دانيال " ورفاقه لم يكونوا هم كل اليهود الذين لديهم توراة، يجدها معهم نبوخذ نصر" فيأخذها ويحرقها، بل كان هناك يهود آخرون لم يذهبوا الى السبى ومنهم أنبياء مثل "أرميا" النبى(626-587 ق م) الذى كتب مراثيه الشهيرة، كشاهد عيان لأحداث السبى داخل الأراضى المقدسة، وظل فيها . ولا يعقل أن دانيال وحده هو الذى كان يحمل النسخة الوحيدة للتوراة، حيث تعددت النسخ بعد أصلاح " يوشيا الملك" قبل السبى بزمن طويل ولم يكن هؤلاء هم الاباء الأجلاء الوحيدون الذين انخدعوا بهذه الأفكار وأنما تبعهم " القديس يوحنا الدمشقىJohn of Damascus " فيما يقول "ماين J.P,Migne, PG,LXCIV,688-689"
وفى بعض عظات "اكليمندس الأسكندرى The Clement Homilitics" نجد تاثره بفكرة عدم الثقة فى جذور التوراة تاريخيا فى حديثه عن يد الشيطان التى تدخلت لاظهار "آدم " و"نوح " والآباء بصورة سيئة فى التوراة، وها هو " أنستاسيوس السينائىAnastasius The Sinaite" بطريرك الكنيسة الأنطاكية فى القرن السابع الميلادى يقرر بأن "موسى " لم يكن هو كاتب التوراة لأن فيها خيالآ حسب ما أورده "ماينJ.P. Migne , PG, LXXXIX,284 ,285 " أحد مؤرخى الفكر الكنسى عنه، والجدير بالذكر أن هؤلاء وغيرهم من الأسماء اللامعة فى سماءالتعليم الكنسى ، لم يكونوا من الانبياء مع أن لهم الأجلال والأحترام لجهودهم الأخرى فى مجال توصيل الحق الكتابى لنا، لكنهم لم يكونوا مبتدعين لأفكار هدامة لهذا البنيان المترابط المؤكد المسلم لنا ، وانما كانوا يرددون أحيانآ بعض الأقوال المتواترة، بقصد أعلاء فكر العهد الجديد على سابقه، فى حسن نية، ثبت لنا بعد العودة لمصادر معلوماتهم التى رددوها، أن الصواب جانبهم ، فابتعدوا عن تحرى الحقيقة المؤكدة، ويقولون " لكل جواد كبوة ولكل قديس هفوة ". فلم يهتموا بالتحرى والتأكد من هذه الأمورعلى النحو الذى سنراه لاحقآ.
-
-وما أن حل الظلام الفكرى فى العصور الوسطى على الكنيسة ، حتى بدأ أصحاب المبادىء الأخرى المناوءة للحق الذى فى التوراة من استخدام بعض المعطيات الحديثة الواردة على ألسنة بعض المتشككين فى تأريخها . ومثالآ لذلك ما استخدمه " ابن عزرا عام 1167 م للفرض الذى قدمه " أسحق بن جاسوسٌRabbi Isac ben Jasos " عام 1057م حيث ربط بين "هدد " المذكور فى ملوك الأول 11 عدد 14 والذى كان ، أى "هدد الأخير" فى أيام " يهوشافاط" وبذلك ظن أن سفر التكوين قد كتب فى مرحلة لاحقة لحكم " يهوشافاط ". ولم يفطن الى أن هناك أمكانية تكرار الأسماء بين أبناء الأمة الواحدة ، على مدى حقب مختلفة من تاريخها. وهذا المثال وارد فى حوالى الكتاب بكثرة فهناك "أليعازر - الدمشقى" أيام "ابراهيم " حوالى 2000 ٌ.ق.م ، وهناك كذلك " أليعازر - الكاهن" أيام موسى حوالى1500 ق .م ، وهناك " أليعازر- الذى أقامه المسيح من الموت" رغم أختلاف الزمن بينهم
كما افترض " الرابى " أو "المعلم الكاتب" أن هناك نصوصآ أخرى مدسوسة مثل " تكوين 12: 6 ،22: 14 ، تث 1 : 1 ،3 : 11 ... ألخ" ، أستنادآ على "فكرة فصل الثنائيات" و "فكرة فصل الثنائيات " هذه ، كان لها شأنها فى فكر النقاد فيما بعد ومفادها أن هناك حوادث مذكورة مرتين أو أكثر أثناء سرد الحديث فى التوراة مما يؤيد وجهة نظر النقاد أن هناك مصادر مختلفة جمع منها المحررون مواد التوراة رغم أهمالهم ( الذى لم يتمكن النقاد من تعليله ) لهذا الفكر التكرار الملحوظ هذا أن أفترضنا حدوث مثل هذا التكرار . كما أستند على هذه الفكرة فيما بعد " ٍسبينوزاSpinoza" حوالى عام 1670 م ، مقارنآ تلك الثنائيات بعضها ببعض مؤيدآ بذلك فكرة أن جامعها هو "عزرا " الكاتب وهذ الرأى مع سائر آراء النقاد التالية له سنورد تحليله فى الرد على آراء نقاد العصر الحديث فيما بعد لأن كثير من هذه الآراء تتشابك أو تتفق أو تتعارض مما يدعونا للرد عليها متجمعة معآ.
. وبحلول عصر النهضة الأوربية Renaissance ، بزغ نور ألأصلاح ، فكان أن بدأ المفكرون فى تناول الكتاب المقدس بجرأة وجسارة ومن هنا بدأت الآراء تتعدد فتنوعت مدارس الأصلاح ، وكان أحد المصلحون واسمه " كارلستادتCarlstadt" 1480 - 1541 وهو الذى قال بأن "موسى" لم يقم بكتابة التوراة بدليل تنوع الحديث فى سغر التثنية رغم وحدة الأسلوب، فأذا سلمنا بأن الكاتب لسفر التثنية هو كاتب واحد ، لأن سياق الأسلوب واحد من المقدمة حتى الخاتمة. وأن سلمنا بأن الكاتب الذى فى الخاتمة ليس هو "موسى" من الناحية المنطقية ( وهذا الرأى لا يقيم وزنآ لكون " موسى " كنبى ، يمكن أن تحمل كتاباته الجانب النبوى المستقبلى ) ثم استعرت بعد ذلك نيران النقد بشأن كاتب التوراة وأسلوبها ، بظهور طبقة جديدة من النقاد وهم الأدباء ورجال الفكر الكنسى بظهور Andreas Masius" ماسيوس"عام 1573 م وهو محامى بلجيكى ينتمى لطبقة المثقفين الذين انتعشت لديهم المعارف أبان النهضة الأوربية ، وهو كذلك ينتمى لطائفة الروم الكاثوليك وقد دون آرائه فى كتاب له ، صدر عام1574 م وكان اسم الكتاب " تفسير سفر يشوع " وفيه قال بأن "عزرا" أضاف نصوصآ معينة لكتب "موسى" . وقد اتخذ هذه المقولة من بعده بعض النقاد ، وأن كانوا قد اختلفوا بشأن من أضافها أهو "عزرا" أم شخص آخر ، وكان موقف الجزويت الأسبان مماثلآ لموقف " ماسيوس" تجاه الفكرة بشأن أسفار "موسى" وعلى رأس هؤلاء كان هناك عالمان هما"جاك بونفرير Jacques Bonfrere" و"بندكت بيريرا Benedict Pereira" عام 1535 - 1610 م وكان هذان العالمان من أشهر فلاسقة ذلك العصر مما ساعد على دفع عجلة النقد الى الأمام ، فلم تخل أحاديثهما عن التوراة من الأشارة لأن هناك أضافات متأخرة ذات شأن أضيفت الى التوراة . كما سجلا آرائهما تلك فى النشرات الدورية التى كانت توزع آرائهما ، وقد تضمنت تلك الآراء أسسآ أتبعها اللاحقون فى نقد التوراة فكان نتيجة لذلك ظهور "سبينوزا البندكتى Benedict Spinoza" 1632 - 1677 م الذى سار على نفس المنوال فأنكر كتابة " موسى " للتوراة ، كما أنه شكك كذلك فى كتابة " عزرا" لها ، فأفسح بذلك محالآ لأرجاعها لزمن لاحقTractatus Theologico- politicus
وفى عام 1651 أصدر "هوبز Thomas Hobbes" كتابه المسمى " لوياثان Leviathan " منكرآ فيه صلة "موسى " بكتابة الأجزاء المنسوبة له فى التوراة مع أنه وضع أحتمالآ بأرجاع مصدر هذه الكلمات لموسى ، برغم أنكاره لكونه هو أى " موسى " هوالذى قام بتدوينها
ثم جاء " ريتشارد سيمون Richard Simon" وهو كذلك من أتباع الروم الكاثوليك فجمع نتاج سبعة عشر قرنآ لم تخل فيها التوراة من نقد فمهد ذلك الطريق لظهور الأرمينى "جين ليكليرك Jean LeClerc" عام 1685 م ، وهو الذى أيد آراء "ريتشارد" وصقلها ، فقال بأن التوراة استندت على نصوص أخرى منها ما هو بشرى ومنها ما هو ألهى فكاتبها لا بد أن يكون متأخرآ عن عصر " موسى " اذ ربما يرجع تاريخه لعصر سبى بابل أى حوالى عام 722م أو لزمن معاصر لزمن "عزرا" الكاتب
أما بداية أستخدام "المعطيات الداخلية" فى النص بوصفها الأساس الرئيسى للنقد فيرجح الكثيرون بأنها ترجع الى عام 1711 م حيث ظهرت آراء " هانز ويتر Hans Wetter" الذى كان أول من أستخدم " المعطيات الوثائقيةdocumentary hypothesis" فقد لاحظ " ويتر" وجود أصحاحان يتحدثان عن الخليقة بأسلوب متمايز ( من وجهة نظره ) ولا سيما فى أستخدام لفظ الجلالة . ففى سفر التكوين الأصحاح الأول يتحدث عن "الله" بوصفه " الوهيم אלןהימ" بينما فى ألأصحاح التالى له أى الثنى يتحدث عن الله بوصفه "يهوهיהןה"
ومع ذلك تمايزت آراء أمة المسيحيين وكان أغلب الدارسون والعلماء برفضون هذه الآراء ، ولا سيما فى مطلع القرن الثامن عشر . حتى جاء أحد علماء الفيزياء الفرنسيون واسمه "أستراكJean Astruc" عام 1753 م . وهو الذى زلزل الفكر الدينى بكتابه عن سفر التكوين حيث نشر فكرة مؤداها بأن هناك أصلين رئيسيين متخذان من الذاكرة ، أو ذاكرتين لدى " موسى" النبى نفسه بالأضافة لعدد مما لا يستهان به من الوثائق الأخرى ، التى جمع منها "موسى" سفر التكوين . ومع أن "أستراك " لم يلتفت ليد الوحى فى أنشاء التوراة ألا أنه لم ينكر كتابة "موسى " لها ، كما أنه لم يذكر لنا ما هى هذه المصادر ؟ وما أسمائها ؟ ولا أين ذهبت ؟ أو من أين أتت ؟ لقد كانت تمثل بالنسبة له فرض علمى يثبته ، فيما يظن ، بأفتراض أنعكاس الفكر الوارد فيها على سياق الحديث فى التوراة ، أما بخصوص فكرته عما أسماه ب " الذاكرة المتحصلة لدى "موسى " فأن الدليل فى رأيه على وجودها هو أختلاف التسمية لتلقيب الله بين "يهوه" و "ألوهيم" لذلك سمى الذاكرة الأولى بأسم " الذاكرة اليهوية " وأما الذاكرة الثانيةDeux Memoires فأسماها " الذاكرة الألوهية" وبذلك فتح بابآ للون آخر من النقد ، لكن بخصوص باقى الوثائق النى أفترض وجودها والتى أعتمدت عليها التوراة ( من وجهة نظره ) فقد أفترض وجود أثنى عشر وثيقة من هذا النوع ، نسب لكل واحدة منها بعض المقطتفات من التوراة ، ويقول عن هذه الوثائق أنها كانت تحتوى على ما يتعلق بتاريخ الأسلاف وقصة نشوء العالم ، ومع ذلك فقد أشار " استراك" لأهمال الكاتب فى تتبع ذكر بعض الأنساب . وأخيرآ يذكر ل " استراك " أنه انصرف بعد الحديث عن نظريته تلك ، لتفنيد مزاعم الذين أنكروا كتابة "موسى" للتوراة . بما نفهمه بأن نقده كان لسبب عدم تصوره لفكرة الوحى فى حد ذاتها ، أو بمعنى أخر أنه لم يفهم وهو يستبعد حدوث الوحى ، مصدر تلك المعلومات الواردة فى التوراة ، ولذلك كان أقرب تفسير لمصدر هذه المعلومات فى رأيه هو تلك الفروض التى أجتهد فى أقامتها وسنعود له فيما بعد عندما نقوم بتجميع كل آراء النقاد
د.ق. جوزيف المنشاوى
0 التعليقات:
إرسال تعليق