http://bible111.blogspot.com حيث ستكون ترجمة محتويات هذا البحث للأنجليزية
الصورة أعلاه هى لأحد مخطوطات البحر الميت ( من مخطوطات العهد القديم )
الأثر المضاد لفكر ولهاوزن
يجوز لنا أن نشير أولآ لكتابات بعض المحافظين فى هذا الصدد مثل كتابات " هيستينبرج E. W. Hengstenberg " ولا سيما كتابه Dissertations on the Genuineness of the Pentateuch الصادر عام 1847 ثم ألى كتابات "كييل C.F. Keil " و " جرين W. H. Green " خاصة كتابه المسمى The Higher Criticism of the Pentateuch الصادر عام 1895 وكتاب " جيمس أور James Or " المسمى The Problem of the Pentateuch الصادر عام 1900 حيث بنى دفاعه على فكرة ضعف أدلة " ولهاوزن Julius Wellhausen " من ناحية قيمتها الأدبية واللاهوتية . ومن هذا المنطلق تبعه علماء مثل " ويلسون R.D.Wilson " فى كتابهA Sientific Investigation of the O . T , 1959 كذلك " ألدرز G. Ch. Alders " فى كتابهA Short Introduction to the Pentateuch . 1949 و " أليس"( O. T Allis "The Five Books of Moses , 1943 .) وأخيرآ " يونج E.J. Young " الذى يعتبر بحق أمام المحافظين فى كتاباته ولا سيما فيما يختص برده على النقاد فى كتاب
لقد تبنى هؤلاء وغيرهم ممن سبقت الأشارة أليهم ، رسالة الرد على فكر " ولهاوزن " وشكلت ردودهم جبهات أربع بنت دفاعها علىلا نقض فكر" ولهاوزن " من أساسها.
فأول تلك الجبهات ما ركز على نقض ما أدعاه " ولهاوزن " من أختلاف الأصول بناء على أختلاف تسمية الذات الألهية .
ثم الجبهة الأخرى التى تركز على نقض أتخاذه لتكرار القصص أساسآ لهذا التقسيم المفترض.
ثم تناقش الجبهة الثالثة فكرة " ولهاوزن " بشأن تنوع الأسلوب ولآداء .
أما الجبهة الأخيرة فلا تترك وراءها سوى أثرآ منحرفآ آخر فتسلك أتجاهآ معاكسآ لفكر" ولهاوزن " فلا تصححه وأنما تنأى بآرائها على الطرف الآخر من النقيض وهى " مدرسة نقد الصيغة Form Criticism " ولنناقش الآن كل هذه الجبهات .
أولآ : - نقض فكرة التقسيم على أساس الأستخدام المختلف للفظ الجلالة
هذاالتوجه الفكرى هو لنقض فكر ولهاوزن ومن تبعه الذين ظنوا أن الأختلاف فى تسمية الذات الألهية مبرر لهم لنسبة كل تسمية لأصل معين ، ويرد أصحاب هذا التوجه الفكرى على فكرة " ولهاوزن " بضرب عدة أمثلة فيها الأدلة على صدق توجههم وهى تعود لمصادر قديمة مثل : -
1- الدليل المأخوذ عن السبعينية :- لقد عرف مترجمو السبعينية أن الأستخدام المختلف لأسم الله كان أختلافآ شائعآ حدوثه فى العصور القديمة ، بل وجدوا فى " النص المسورى Masoratic Text " فيما يقول " سكينر J. K. Skinner " فى كتابه The Divine Names in Genesis 1914 بأن هناك تعدد ملحوظ فى ترجمة اللفظ المعبر عن الذات الألهية ، وكان هذا موجودآ بصورة طبيعية فى سياق الترجمة ويسوق لذلك عدة أمثلة( راجع كتابه ).
2- أعتياد الشعوب القديمة على أيجاد هذا التنوع فى أسم الله الواحد حتى فى القرآن كما يقول"ويلسون R . D. Wilson "حيث وجد أنه يقول عن الله أحيانآ " رب " تمامآ كما أطلق " موسى " على " ألوهيم " (الله) لقب "يهوه" (الكينونة )أو " أدوناى " (الرب) ، ولم يقل أحدهم بأن هناك أصل أخذت منه تسميته " الله " وأصل آخر أخذت منه التسمية "رب"PTR,XVII,1919,pp644 etc. .
3 - هناك الأستخدام المركب لأسم الله فى العهد القديم مثل " الرب الأله " أى " يهوه ألوهيم " كما فى تكوين 2 : 4 ، 3 : 24 ، خروج 9 : 30 .هذا الأستخدام المركب لأسم الله يشكل عائقآ أمام أثبات " ولهاوزن " لفكرته بشأن تفسيم الأصول ، ذلك لأستحالة أرجاع كل شطر من هذا الأسم المركب لأصل من الأصول مميز عن الأصل الآخر الذى يفترض أنه مصدر لتسمية واحدة من التسميتين .
4 - شيوع أستخدام اللفظ الثنائى لتسمية الذات الألهية فى الآداب المصرية القديمة واليونانية المعاصرة لزمن " موسى " أنظر كتاب " جوردونC.H.Gordon , " Christianity today , 23, Nov.,1959 ".
5 - أختلاف الفكرة اللاهوتية من وراء التسمية فرض باطل .فالصحيح هو أن أختلاف الصيغة هو أختلاف صفة عن أخرى من صفات الله المتعدد الصفات فيما يقول " أينيلI. Engnell " Galma Testament I 1945 " .
ثانيآ : - نقض فكرة التقسيم بناء على الوحدة الأدبية والأداء.
يرتكز هذا الشطر من العلماء المحافظون الذين يحاربون الفكر النقدى من أمثال " مارتن W.J.Martin , Stylistic Criteria , 1955 . " فى كتابه على معارضة اسلوب النقاد فى تناول التوراة بالتحليل ، فهى أولآ ليست كتابآ عاديآ أدبيآ يخضع للمقاييس العلمية الأحصائية التى من خلالها يمكن تمييز كاتب عن الآخر بسبب أستخدام كلمة معينة أكثر من غيره ألى آخر هذه الوسائل التى تصدق على البشر وليس على الوحى الألهى.
وحتى لو ثبتت هذه المقاييس على آداب البشر فأن ثبوتها يتميز بالخصوصية والنسبية وليست العمومية ، فقد تصدق على آداب الغربيين دون الشرقيين فى بعض مواصفاتها ، كما أنها تصدق فى عصر دون آخر، فى بعض مواصفاته ،ا فهناك فرق مثلآ فى اللغة العربية بين مقاييس المقامات فى الأدب العربى القديم وبين مواصفات وبناء القصة فى العصر الحديث فى الأدب العربى كذلك.
لذلك فأن مقاييس هؤلاء لتقييم التوراة متخذ من مقاييس تميز بها الأدب الغربى الحديث .
وهكذا نرى بطلان وأستحالة تطبيق هذه المقايبيس على التوراة التى نبعت أصولها فى مجتمع شرقى قديم .
ثالثآ :- نقض فكرة التقسيم بناء على ثنائية السرد القصصى
قام " ألدرز Alders " بعمل دراساتop.cit.,pp43-53 و " أليز Allis" op.cit.pp94.etc., وملخص ما توصل أليه هذان العالمان هو أن ثنائية سرد القصص تفسر بصورة عكسية تمامآ لما ذهب اليه " ولهاوزن "فهى على العكس تؤيد فكرة المصدر الواحد، ولا توجد أدنى شبهة تشير ألى تعدد المصادر كما زعم " ولهاوزن " .
فلقد كان التكرار فى سرد القصة الواحدة بصور مختلفة، أو من جوانب متعددة، هو سمة تميز الأدب السامى القديم، ولقد شاع هذا الأسلوب بهدف أقناع القارىء أو توصيل المعلومات الخاصة بالقصة لعقله بصورة مجزأة على أقساط ، ولمزيد من هذه الدراسات أنظر كتاب " مولينبرجJ.Muilenburg , " "المطبوع عام 1953 ص 97 ، ص 111 وهو باللغة الأنجليزية بأسم " A Study in Hebrew Rhetoric " Repetation and Style in Supplements to the New Testament " ، كذلك راجع كتاب "بيدرسن J. Pedersen " Israel, I , II , 1926 p0 123"كما أن الدراسات والأكتشافات الحديثة أثرت فى توجيه أسلوب البعض الآخر من العلماء حيث أستخدم " وايزمان P.J.Wiseman " فكرة أستخدام كلمة ( "توليدתןליד " العبرانية " التى تعنى " مواليد أو أنسال " ) بالبحث عن تاريخ أستخدامها ، وهل كان هذا التعبير فى حد ذاته دلالة على بداية أقتباس موسوى من مصادر أقدم منه أم لا ، وكانت هذه الدراسة فى كتابه . ومع أنه سبق لنا التعرض لهذه المزاعم المختصة بثنائية السرد القصصى من قبل ألا اننا نرى هنا " أردمانز B.D.Erdmans "الذى بالرغم من عدم تأييده لفكرة كتابة " موسى " للتوراة ، وبالرغم من هجومه العنيف على وحدة التوراة الأدبية ، ألا أنه يؤيد تكرار قصص الآباء فيها قائلآ بأنه لو كانت قصص الآباء تعود للأصل P فيكون بالأولى جدآ أن تكون التعليمات الخاصة بالممارسات الطقسية الكهنوتية الموجودة فى هذه الوثيقة متكررة الذكر . ومعنى ذلك أنه أذا أنتمت التعليمات الطقسية المتكررة لأصل واحد هو فما المانع من أنتماء القصص المتكررة لأصل واحد P كذلك ؟ هذا هو السؤال الذى لا أجابة عليه ، وهو يؤيد فكرة بطلان التقسيم على أساس تكرار السرد القصصى .
كما أننا نجد " روبرتسون E. Robertson" فى كتابهThe Old Testament Problems يقول " أن كتاب التثنية قد كتب تحت تأثير فكر " صموئيل " ثم أودع تابوت العهد حيث وجده " يوشيا " فكان هذا الكتاب هو دستور التهضة الجديد للأمة اليهودية " وقد كرر أقوال " روبرتسون " هذه تلميذه " برينكر R. Brinker "فى كتابه المسمى تأثير المقدسات" The Influence of Sanctuaries ، وقد سار " كاسوتو U Cassuto" على هذا المنوال ولا سيما فى كتابه La Questione de la Genesis ، ولكن لم تسلم آراء " روبرتسون " ومن تبعه من النقد والتصحيح حيث تناولها" دورنسيف E. Dornseiff "ZAW.LII-LIII,1934 - 5 الذى دافع عن الوحدة الأدبية لكل التوراة فى كتابهAntike und Alter Orient .
ومن جانب آخر هناك " جونسون A.R.Johnson " الذى يحذرنا من خطر هذه الآراء فيقول " هناك خطر حقيقى فى دراسات اللعهد القديم هذا الخطر يكمن فى أساءة التنفسير العام لهذا الجزء من الوحى ، فهل الوحى أختلف فى مصدره ؟ ، وهل يتجزأ فى مراحل كتابته ؟ وهل يعاد تشكيله ليتفق مع مفهوم العصر ؟ . أن هذه الأفكار مضادة تمامآ لنظرية الوحى المسيترسل والتى يقوم عليها أساسآ أحترامنا لقيمة التوراة "وللمزيد من الأطلاع على رد أصحاب هذا الأتجاه الثالث للرد على " ولهاوزن " يمكن العودة لنص المقال السابق " دراسة نقدية للكتاب المقدس (4) كاتب التوراة" .
-
- -
الصورة أعلاه هى لمخطوط يحتوى على التوراة أستخدم فى أسبانيا لمدة 300 سنة قبل محاكم التفتيش فى أسبانيا عام 1492 ميلادية
رابعآ :- الرد على فكر " ولهاوزن " بأنشاء فكر جديد هو فكر " مدرسة نقد الصيغة "
قامت على أنقاض فكر" ولهاوزن Wellhausen " مدرسة فكرية جديدة وهى " مدرسة نقد الصيغة Form Criticism "وقد قامت هذه المدرسة على أيدى كلآ من " جنكل H.Gunkel " و " جريسمان H. Gressmann "، وكان فكر "جنكل " هو مقارنة التوراة بتلك الدراسات الأثرية التى جعلته يبنى نظريته على زعم أن سفر التكوين قد أستفاد - ألى حد بعيد - بالفكر فى الحضارات المختلفة التى كانت منتشرة آنذاك ، فقد أقتبستها الأمة الأسرائيلية على مدى بعد زمنى كبير ، طالت فيه مدة الأخذ بالتقليد الشفاهى المتوارث ، والذى صقلته الأجيال جيلآ بعد جيل ، وطعمته بالفكر العصرى ، حتى أنه يمكننا القول بأن العقيدة فى الله قد أعلنت نفسها - على حد قول " جنكل "-على مدى تاريخ الأمة الأسرائيلية .فتلك هى خاصية الديانة الأسرائيلية من وجهة نظره .وبذلك صار جنكل " أكثر أنحرافآ وشططآ من " ولهاوزن " فقد أنكر بذلك قيمة الوحى اللفظى والمعنوى على حد سواء حيث كانت التوراة فى وجهة نظره هى عبارة عن تقليد شفاهى متوارث صقلته الأجيال وبلورته حتى خرج هذا التقليد متجمعآ فى صورة الأقاصيص التى أتخذت قالبها الفنى البديع على مراحل مختلفة من التجميع تلك المراحل هى المسماة E , J .... ألخ فالأصل J لم يكن أصلآ بلا أرتباط بسائر الأصول بل أصل أولى تم أدخال التقليد الشفاهى فيه ، وبذلك يختلف عن " ولهاوزن " حيث أنه كان يرى أن الأضافات المتأخرة كانت قديمة فى أصلها لكنها حديثة فقط فى أضافتها لمتن المكتوب .
ومع ذلك فحتى " جنكل " يعوزه الدليل لأثبات صدق قوله ، فهو لا يقدم لنا - حتى كمجرد أقتراح - مثالآ لهذه الصيغة الأصلية التى كان عليها الوحى فيما يزعم. ذلك الأصل الذى تجمل بمرور القرون . ونرى أن " جنكل " يقول بأن تاريخ الأدب الأسرائيلى هو تاريخ صحيح فى قالبه ، لكن كل قالب أدبى قديم كان يعكس موقفآ حيآ أصليآ دعاه للظهور فى الوقت المناسب.
وفى رأينا أننا لكى نكتشف الصيغة الأصلية علينا أن نسأل هذه الأسئلة : - من هو المتكلم أو المتكلمين فى التوراة ؟ من هم السامعين أو المتلقين لها ؟ ومن هو صاحب الحق فى البت بآرائه تجاه هذه الأقوال ؟ وما هو العمل الذى يجب أن يضطلع به ؟كما يجب أثبات تاريخ جمع كل وحدة من الوحدات الفردية .
وللأجابة على هذه الأسئلة نقول : - أن المتحدث كما هو مفروض يجب أن يكون الله أى الوحى الألهى وأما السامعين أو المتلقين فهم شعب اله وأن القائل لهم هذا الكلام هو نبى الله الذى يعمل مرشدآ للشعب أما بخصوص تاريخ كل وحدة من الوحدات الفردية فمن الصعب تصور هذا التاريخ مجزأ رغم هذه المقدمات المسلم بصحتها كأجابات للأسئلة السابقة .
ولم يتمكن " جنكل " من أكمال منهجه ذلك الأمر الذى أضطلع به من بعده " جريسمان " حيث صدرت له دراسات فى سفر الخروج طبق فيها منهج " جنكل " ثم أكمل هذه الدراسات بسلسلة من دراسات العهد القديم أسماهاDie Schriften des Alten Testaments ,1911 وقد كان لهذه الدراسات أثر قوى مازال حتى أيامنا هذه فى مجال الدراسات النقدية.
وبالرغم من أن هذه المدرسة أفقدت التوراة قوتها وأهملت بذلك جمال السرد القصصى فيها ألا أنها قد سجلت شيئآ من المجهود المضنى فى سبيل محاولة الوصول ألى الجديد مكن الدراسات فى عالم المعرفة بشأن الكتب المقدسة.
المدرسة الأسكندنافية Formal Scandinavian
أهملت تلك المدرسة نظرية المستندات أو الوثائق وأرجعت أصول التوراة للتقليد الشفاهى المتوارث ، لكن أحد قادة هذه المدرسة من بين الذين جاءوا مؤخرآ أعلن أنتهاء عصر نظرية المستندات ألى غير رجعة وكان هذا العالم هو" بيدرسن
" J. Pedersen 1931ZAW.XLIX.pp161-181 وكان ذلك عام 1931 أما نحن فلا أعتراض لدينا بشأن محاولة تحديد الصيغة أو القالب الذى يبدو عليه الكتاب المقدس الحالى ، فمثلآ يجب التمييز بين الأسلوب الشعرى وبين الأسلوب النثرى ، كما يجب أيجاد السبل لأدراك مميزات كل أسلوب على حدة ، أما بخصوص الأدعاء الفكرى لمدارس النقد هذه والتى تصر على أن أساس البحث بالموضوعية الكاملة التى تشمل أستبعاد فكرة الوحى ريثما تتكشف الوحدة الأصلية حتى نكون - فى رأيهم -على أستعداد كامل لقبول فكرة أعتبار بعض الأجزاء فى التوراة كأجزاء ثانوية أو حديثة العهد . فأن مثل هذا الأفتراض المسبق المفروض هو فكر فاسد لأنه لا يوجد على سبيل المثال من يمكنه تحديد ما هوالجزء الأصلى وما هو الجزء المضاف حديثآ الى آخر هذه المشكلات التى لا يحلها هذا الموقف المتشكك .
مدرسة أوبسالا Uppsala School
لم توافق المدرسة الأسكندنافية على أخضاع طريقتهم هذه لكتب الأنبياء، ولم توافق على تطبيق منهجهم الذى سبق ففرضوه مما أنعكس على الحكم بفساد تفكيرهم وأفتراضاتهم، فهم يستشهدون من الكتاب المقدس رغم أنهم يفترضون أستبعاد مصداقيته كبداية لحوارهم ، كما أنهم لم يتمكنوا مثلآ من الأجابة على السوأل من هو الكاتب ؟ لذلك أسس " أينيل الحديثThe Late Ivan Engnell " مدرسة أوبسالا Uppsala School وهو يقول بأن هناك أستحالة تامة للتوصل ألى الكلمات المضبوطة التى قالها النبى حيث تلقنها مجموعتين من البشر ، تمثل المجموعة الأولى منهم من لديها محتويات الأربعة الأسفار الأولى من التوراة وأطلق على هذه المجموعة رمزP، وأما المجموعة الثانية فقد كان لديها محتويات السفر الخامس ولنرمز لهم بالرمز D، هذا السفر الخامس كانت محتوياته التثنية ويشوع والقضاة وصموئيل الأول والثانى وملوك الأول والثانى ، وهاتان المجموعتين يرجع تاريخ وجودهم ألى ما بعد مرحلة السبى أو أثناءه .
أذآ فالكتاب الذى يضم التوراة مع الأسفار التاريخية فى عرف هذه المدرسة هو نتاج الدمج بين المجموعتين على ممر فترة كافية من الزمن .
مدرسة التقليد التاريخىTraditio - historical
لم تكن مدرسة أوبسالا Uppsala وحدها صاحبة الأتجاه المنحرف فى نقض نظرية " ولهاوزن " بل سبقها أفكار هدامة آخرى هى أفكار المدرسة الأسكندنافية وأفكار مدرسة نقد الصيغة فقد تلا كل ذلك فكر " مدرسة التقليد التاريخى " وهى تعتمد أساسآ فى نظريتها على الدراسات الحديثة لسيكولوجية العبرانيين القدماء وأصحاب الآداب الشرقية القديمة عامة فلقد رأى " نيلسون " وهو أحد علماء هذه المدرسة أن " أينيل " كان يميل للرد على " ولهاوزن بمنطق الأدب الأوربى وكذلك كان حال سائر النقاد من قبله ، وأما هو فيميل لدراسة هذا الأمر من منطلق معرفة ودراسة الحالة الآدبية عند الشرقيين القدماء ولقد سجل ذلك فى كتابه " التقليد القديم Old Tradition" الذى أصدره عام 1954 ورد فيه على أولئك جميعهم بمن فيهم من أصحاب المدرسة الأسكندنافية.
مدرسة ليبزج School of Liebzeg
أسس هذه المدرسة " ألت The Late Albrecht Alt " وكان من أهم أعلامها " نوث M. Noth " وهو الذى أصدر كتابه Uberlieferungsgeschichte des Pentateuch , 1948 وفيه يقول بأن هناك تقليدآ شفاهيآ هو المصدر الواحد من وراء محتويات التوراة ككل ، ذلك المصدر هو الذى أطلق عليه " ولهاوزن " الأسماء النوعية J,E,P ،ولكنه يختلف معه فى أمور جوهرية منها بداية تسمية " ولهاوزن" للتوراة بأسم " الأسفار الستة Hexateuch " ، كما يختلف كذلك فى رفضه لمحاولة " ولهاوزن "الفصل بين سفر التثنية وسائر أسفار التوراة ، ذلك لأنه أعتبيرها مأخوذة من الأصل الأساسى للتوراة ، ذلك الأصل الذى أعتمد على التقليد الشفاهى ، وبذلك يريد أن يتحدث عن التوراة لا بوصفها كتابآ للوحى وأنما بصفتها عملآ أدبيآ ضخمآ.
ولقد كان من أهم أعمال " نوث " أثبات تاريخ بنى أسرائيل وتقديمه على أساس أنه قديم جدآ ولكنه تأثر بأضافات مختلفة على ممر فترات التاريخ حيث مر بعدة مراحل للتنقيح متأثرآ بذلك بمختلف الأهتمامات التى كانت تسود فى كل عصر من العصور بالأضافة ألى أختلاف ميول كل كاتب بالمقارنة مع التقليد الشفاهى .
ولم يصل " نوث " ألى مجرد فكرة أعتبار سفر التثنية من نفس المصدر الذى تعود له التوراة وأنما قال بأنه كان هو الأساس لسائر الكتب الأربع الأخرى الموجودة فى التوراة وأسماها " الكتب الأربع Tetrateuch "بل أن سفر التثنية هو كذلك الأساس لكتب يشوع وصموئيل الأول والثانى وملوك الأول والثانى .
ولقد عالج " نوث " فى نظريته بالتفصيل تاريخ عدد من النظريات التى أهتمت بدراسة النصوص والوثائق المسماة أصول التوراة وقد كان فى معالجته لهذه النظريات بارعآ تمامآ فهو صاحب فكرة التركيزعلى قصة الخروج المدونة فى العهد القديم وجعلها أساسآ رئيسيآ للفكر اللاهوتى الأصيل فى كل العهد القديم .
ومع ذلك فنحن نجد أن فكرة " نوث " بشأن هذه القصة تختلف عن الأنطباع الذى نأخذه من التوراة ذاتها ، ذلك لأن سفر الخروج يتحدث عنها وكأنها شيئآ معاصرآ بينما يتحدث هو عنها بوصفها حدثآ ماضيآ سبق معالجته فى سفر التثنية مما يشكل صعوبة أمام الأقتناع بفكرة " نوث " .
وبالرغم من هذا فنحن نعتبر أن " نوث " أفضل من عالج تاريخ شعب بنى أسرائيل ، مع أنه وقع فى تأريخه هذا فى الكثير من أوجه النقص ونقاط الضعف ، مثله مثل سائر النقاد ، فهناك من نقاط الضعف التى تردى فيها ما يصعب أعتباره من الوجهة التاريخية الفعلية تاريخ صحيح واقعى ، وكمثال لذلك ما قاله" نوث " ردآ على " هنريخ أيوالدEeinrich Euald 1875 " حيث وصف حالة الأسباط فى صورة 12 سبط بوصفه عدد يرمز للكمال، وأن العدد كان هو الحافز الرئيسى للكاتب لأبرازهم على هذا النحو ، بمعنى أن هذا العدد مذكور لأسباب رمزية بحتة . أن تاريخ بنى أسرائيل القديم كان به العهد المقدس او الميثاق المشترك للأسباط الأثنى عشر وقد تم ذلك بعد عملية تعايش سلمى دينى على غرار ما حدث فى المدنية اليونانية وكان لب هذا الميثاق الذى بدأ أيام القضاة مختص بالطقوس التى أجمعت على مركزية العبادة المقدسة التى ينص عليها الناموس . وبذلك يكون رد " نوث " على " أيوالد " بأن الوحدة تولدت بعد التفرقة التى كانت قبل أستقرار نظام الطقوسي والعبادة المركزية وليس العكس ، فأن فكرته ل " أيوالد " توحى بأن الأمة اليهودية كانت واحدة ثم ذكرت فى التاريخ العبرانى بوصفها نتاجآ لأثنى عشر سبطآ لأسباب رمزية.
ترى هل كانت فكرة " نوث " عن تاريخ بنى أسرائيل هذه فكرة صحيحة ؟
أن " نوث " كان متأثرآ بفكرة حدوث المدنية اليونانية والأيطالية . ففى اليونان كان ميثاق الوحدة هدفه الحماية وتوحيد المدن الصغيرة التى كانت موجودة فعلآ . وهذه الصورة تكررت فى الأتحاد الفلسطينى فى التاريخ القديم . لكن بالنسبة للأسرائيليين كان الأمر مختلفآ تمامآ فقد كانوا أسباطآ دخلت ألى أرض فلسطين من الصحراء فلم تكن لهم مدن قائمة على الأرض ، فقد تميزت وحدتهم بالطابع الروحى المتميز بالأنتماء لأصل عرقى واحد وقرابة العصب والنسب .
وأتخذ " نوث " دليلآ على صدق وجهة نظره من سفر يشوع 24 تجاه فكرة أيجاد الوحدة بين أسباط بنى أسرائيل ، لكننا لا نجد فى هذا الأصحاح ولا فى العهد القديم كله كلمة عبرانية واحدة تقابل كلمة" الميثاق الوجودى "الذى يفترض أن صانعه يشوع ، من وجهة نظر " نوث ". فخلال فترة القضاة لم يكن الأسباط متحدون كما يفترض " نوث " بل كانوا منقسمين حتى فى أيام صموئيل ، فعندما ألح بنو أسرائيل على صموئيل بطلب أقامة ملك عليهم لم يكن هناك لطلبهم هذا أى صيغة دينية بل سياسية اساسية مما يوضح الكثير من أوجه التناقض فى آراء " نوث " .
-
د.ق.جوزيف المنشاوى

0 التعليقات:
إرسال تعليق